السيد محسن الأمين
24
أعيان الشيعة ( الملاحق )
تقنية ، وأن الإسلام على حد تعبير أرنست رينان حجب العقل عن التأمل في حقائق الأشياء « 1 » لأنه لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر ، بل هو عائق لها ، بما فيه من اعتقاد بالغيبيات وخوارق العادات والايمان التام بالقضاء والقدر . « 2 » إن الرد على مثل هذه الافتراضات ، تولاه ، في جزء منه ، جمال الدين الأفغاني في مناقشته المعروفة لإرنست رينان « 3 » معتبرا أن العلوم النظرية والتطبيقية قد ازدهرت بالفعل في حقبة من حقب التاريخ الإسلامي ، تحت رعاية الإسلام وتشجيعه ، مما يدحض التعميم القاطع في رأي أرنست رينان ، ويسقط حجته المبنية أصلا على نظرية التفوق العرقي الآري ، وتميزه . . وهي النظرية التي استند إليها معظم المستشرقين الأوروبيين في تناولهم للإسلام والحديث عنه . فالأفغاني يعتقد أن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق العلمية ، فإن كان ظاهره المخالفة وجب تأويله « 4 » وهو بذلك يقف موقفا متوسطا بين الرأي الذي يعتبر الدين عاجزا عجزا مطلقا عن استيعاب الحقائق العلمية ( كما يرى فزح أنطون وشبلي الشميل ، على سبيل المثال ) والرأي الذي يعتبر الحقيقة الدينية هي ذاتها الحقيقة العلمية ، وأنه لا تناقض بين الحقيقتين . والواقع أنه ، بقوله : . . فإن كان ظاهره المخالفة ، وجب تأويله قد ترك مجالا لا مكانية اختراق الظن أو الخرافة أو الوهم ، لسياج الدين . ولكنه استدراك فأوجب التأويل ، ليحافظ على جوهر الدين من إمكانية انحداره إلى أن يصبح ملجا للخرافة . . أو حارسا للأوهام . . إننا نعتقد ، في هذا المجال ، أن المخيلة الشعبية مهما كانت محصنة بفكر علمي أو يقيني ، تبقى قابلة للاختراق بالوهم أو الأسطورة أو الخرافة . . فلو أخذنا مثلا مجتمعا معاصرا كالمجتمع الأمريكي أو الأوروبي ، وهو مجتمع بلغت فيه التقنية العلمية أقصى درجاتها ، كما ازدهر فيه التفكير العلمي التجريبي ، ازدهارا فائقا ، وانحسر الدين انحسارا ملموسا . . إلا أنه ما زالت تعشش فيه جملة من الأوهام والأساطير والخرافات الشعبية ، لم يمنعها الازدهار العلمي من أن تزدهر هي أيضا بدورها . لذلك ، فان للخرافة الشعبية تاريخها ، وصيرورتها ، كما للفكر العلمي تاريخه وصيرورته . وإن خطرها يكمن في إمكانية تحولها إلى سلطة سياسية تمسك بأدوات فرض سلطوية ، كما حدث مثلا في ما اصطلح المؤرخون الأوروبيون على تسميته القرون الوسطى في أوروبا ، حين أرغم غاليله على التراجع عن مكتشفاته العلمية في كروية الأرض ودورانها حول الشمس ، باسم الدين . . . . ذلك أن الدين ، في تحوله إلى سلطة يصبح قادرا على أن يلعب أحد دورين : إما أن يحمي الفكر العلمي فيصبح جزء منه ، أو يحمي الخرافة ، فيصبح جزء منها . وسواء كان الدين منفذا من منافذ الخرافة إلى الوجدان الشعبي ، أو حصنا لها ضد هذه الخرافة ، فان جملة من البدع والأوهام والانحرافات ، تسربت إلى هذا الوجدان ، في العالم الإسلامي على امتداد أقطاره ومذاهبه واختلافها ، ووجدت سبيلا إلى أن تتراكم ، ويتفاقم 24 خطرها ، مما دفع عددا من المصلحين المسلمين ، إلى كشفها ومحاربتها ، بغية تنقية الضمير الإسلامي الشعبي مما علق به من أوهام . يروي أحمد أمين ، في كتابه زعماء الإصلاح . . ص ص 6 - 7 عن سائح فرنسي زار مصر في آخر القرن الثامن عشر ، هو مسيو فولني volny وأقام بها وبالشام نحو أربع سنوات ، قوله : إن الجهل في هذه البلاد ، عام وشامل ، مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التركية ، يشمل الجهل كل طبقاتها ، ويتجلى في كل جوانبها الثقافية ، من أدب وعلم وفن . . والصناعات فيها في أبسط حالاتها . حتى إذا فسدت ساعتك ، لم تجد من يصلحها إلا أن يكون أجنبيا . . . ويضيف : . . وهذه الحكومة المصرية ، نراها - إذ ذاك - تخشى تعليم الرياضة والطبيعة ، فتستفتي شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد الأنبابي ، هل يجوز تعليم المسلمين العلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والطبيعيات وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء . وغيرها من سائر المعارف . . فيجيب الشيخ في حذر : إن ذلك يجوز مع بيان النفع من تعلمها كان هذه العلوم لم يكن للمسلمين عهد بها ، ولم يكونوا من مخترعيها وذوي التفوق فيها . « 5 » . . لقد تفاقمت الأوهام الشعبية حول العقيدة ، حتى تحولت إلى قوة شرك إلى جانب وحدانية الله ، حيث أشرك المسلمون مع الله حتى النبات والجماد . فهؤلاء أهل بلدة منفوحة باليمامة ، يعتقدون في نخلة هناك أن لها قدرة عجيبة من قصدها من العوانس تزوجت لعامها . وهذا الغار في الدرعية يحج إليه الناس للتبرك . وفي كل بلدة من البلاد الإسلامية مثل هذا . ففي مصر شجرة الحنفي ونعل الكلشني ، وبوابة المتولي ، . . وفي كل قطر حجر وشجر ، فكيف يخلص التوحيد مع كل هذه العقائد . . ( شجرة الحنفي : شجرة كانت في الحنفي يتبرك بها . ونعل الكلشني نعل قديمة في تكية الكلشني ، يزعمون أن الماء إذا شرب منها ينفع للتداوي من العشق . وبوابة المتولي مملوءة بالمسامير تعلق بها الشعور والخيوط ليذكر بالخير من علقها . وهكذا ) . . . « 6 » إن هذه المعتقدات والخرافات الشعبية المنتشرة في مصر أو السعودية أو ليبيا . . كان يسود مثلها كذلك في جبل عامل ، والعراق ، وإيران ، وأقطار أخرى إسلامية ، وقد تعامل معها السيد محسن الأمين ، تعاملا نقديا إصلاحيا . سواء كان ذلك في البلاد التي طالت فيها إقامته ( كجبل عامل ودمشق ) أو في البلاد التي مر بها زائرا في رحلاته إلى إيران والعراق ومصر والحجاز . بالإمكان اعتبار تصدي السيد محسن الأمين للطقس العاشورائي ، وإصلاح الشعائر الحسينية ، أهم موقف إصلاحي له ، في محاربته للبدع والأوهام والخرافات الشعبية . وهو في هذا العمل ، لا تعوزه روح المواجهة ، والمغامرة ، كما سبق القول . ويتجلى معنى جرأته ، حين نضع دعوته الاصلاحية تلك ، في ظروفها التاريخية والاجتماعية ، وندرك إلى أي مدى كان كل جهد إصلاحي ، مهما ضؤل ، مرفوضا وموسوما بالزندقة ، أو بالخروج عن الدين ، في مجتمع كانت السلطات الدينية والزمنية ( فيه ) تعتبر كل
--> ( 1 ) أمين ، أحمد . في زعماء الإصلاح . . ص ص 86 - 87 . ( 2 ) المرجع نفسه ص ص 86 - 87 كذلك . ( 3 ) المرجع نفسه . . تنظر ترجمة حياة جمال الدين الأفغاني ومناقشاته مع رينان . ( 4 ) المرجع نفسه ص 114 . ( 5 ) الأمين ، أحمد . . زعماء الإصلاح . . ص 7 ( ذكر سابقا ) . ( 6 ) المرجع نفسه ص ص 11 - 12 .